محمد بن علي الشوكاني
3288
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الله إنما حرم عليك أوساخ المؤمنين ، ولم يحرم عليك أوساخ الفسقة والعصاة المتلوثين بالذنوب ، فقد ركبت شططا ، وسلكت غلطا ، ولو فرضنا أن هذا الذي أخرج الزكاة قد ارتكب من المعاصي ما يوجب انسلاخه عن الدين بإجماع المسلمين ، وصار في عداد المرتدين ، فالذي يجب علينا حينئذ أن نعامله معاملة المرتدين في النفس والمال ، فنطالبه بالإسلام ، فإن قبل فذاك ، وإن أبى فالسيف هو الحكم العدل ، وهذ هو الذي أوجبه الله علينا ، وطلبه منا ، وليس لنا أن نعمد إلى ما قد أخرجه من ماله باسم الزكاة فنأخذه ونقرره على كفره ، ونوهمه أن ذلك الذي أخرجه زكاة ، وأنه من المسلمين ، فإن هذا الذي أخرجه على فرض أنه ليس بزكاة شرعية هو تمليك منه لمصارف الزكاة ، أو إباحة لهم ، والتمليك من الكافر والإباحة صحيحان بإجماع المسلمين ، فكيف يحل لنا أن نظلمهم بأخذ ما قد استحقوه بالتمليك ، أو الإباحة ، وهذا إنما هو على طريقة التنزل ، وإرخاء العنان في المناظرة وإلا فنحن نعلم أن هؤلاء العصاة لو خبطوا بأسواط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقاموا بجميع ما أخلوا به ، فضلا عن يمدوا أعناقهم للسيف ، ويصروا على الكفر بعد الاستتابة ، بل لو وجدوا من يعلمهم معالم الدين ، ويبذل نفسه للهداية ، ويصبر نفسه معهم ، ويقرعهم بالقوارع التي في كتاب الله ، وسنة رسوله ، ويرغبهم برغائب الوعد للمطيعين ، ويرهبهم بالترهيبات التي رهب الله بها العصاة لما شذ عن الإجابة إلا القليل ، لأنهم يثبتون لأنفسهم الإسلام ، وينفون عنها الكفر من نسبة ذلك إليه ، وينفرون عنه ، فليسوا ممن شرح بالكفر صدرا ، بل لو قيل لأحدهم إنه كافر لقامت عليه القيامة ، وقابل من رماه بذلك بكل حجر ومدر . وهذه المقامات التي هن مقامات التكفير ، هو مزالق الأقدام ، ومزلات أنظار الأعلام ، فمن أقام نفسه فيها ، وحكم على بعض من ينتمي إلى الإسلام بالكفر ، فقد تعرض لأمر عظيم ، وأدخل نفسه في مدخل وخيم ، فإن أسباب الكفر بعيدة المدارك مظلمة المسالك ، ومن دخل في شيء من هذه القوانين التي يتعامل بها البدو المسماة عندهم تارة بالمنع ، وتارة بالشرع لا يكفر بمجرد الدخول في ذلك ، حتى يعلم أن تلبسه